هاشم معروف الحسني

183

تاريخ الفقه الجعفري

وغيرهم ، عرض عليه بعض التطور ، فيما بعد زمن الصحابة ؛ ووقع خلاف شديد بين مالك وجماعته من جهة ، وبين الليث بن سعد ، فقيه مصر ، كما جاء في تعابير أهل السنة عنه ، ومعه جماعة من جهة أخرى ؛ مع اتفاقهما على اعتباره دليلا على الحكم . فبينما يرى مالك وجماعته ، ان الاجماع الذي هو دليل في الاحكام ، هو إجماع أهل المدينة ؛ يرى الطرف الآخر ان أهل المدينة وغيرهم سيان في ذلك . ومهما يكن الحال ، فقد استدل من يرى أن الاجماع دليل لا يجوز مخالفته ، بالآية ( 114 ) من سورة النساء : « ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا » . وبالآية ( 143 ) من سورة البقرة : « وكذلك جعلناكم أمة وسطا ليكون الرسول عليكم شهيدا وتكونوا شهداء على الناس » . وبما رواه ابن مسعود عن الرسول أنه قال : « ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم : إخلاص العمل لله تعالى ، ونصيحة المسلمين ، ولزوم جماعتهم » . وبما رواه عمر بن الخطاب عنه وهو يخطب الناس : « ألا من سره بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة ؛ الشيطان مع الفرد ، وهو من الاثنين ابعد » . وبما رواه المحدثون من أهل السنة عنه أنه قال : « لا تجتمع أمتي على ضلال ، ويد الله مع الجماعة » . وبالإضافة إلى هذه الأدلة ، يحتج مالك ( 1 ) فيما يذهب إليه من أن الاجماع الذي يجب اتباعه هو إجماع أهل المدينة ، بأن المدينة دار هجرته ، ومهبط الوحي الإلهي ، وبها استقر الاسلام وصارت له دولة ، وتوحدت فيها شريعته ، واجتمع فيها صحابته من المهاجرين والأنصار ، ولازموه دهرا طويلا ؛ فعرفوا اسرار التنزيل الذي شاهدوه وتشربوه وعملوا به ؛ وكانوا أعرف الناس بأحوال

--> ( 1 ) كما يظهر من موطأه .